دراسة تكشف نهجًا جديدًا لتعزيز قدرة الذكاء الاصطناعي على كشف السرطان
تكشف دراسة جديدة أن تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على محاكاة الأسلوب الذي يتبعه أطباء علم الأمراض في البحث عن علامات السرطان، قد يعزز بشكل كبير قدرتها على اكتشاف المناطق المشبوهة داخل عينات الأنسجة. يعتمد العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة حاليًا في علم الأمراض على تقسيم الشرائح النسيجية إلى أجزاء ثابتة لتحليلها. في المقابل، يتبع الطبيب نهجًا أكثر مرونة؛ إذ يبدأ بمسح الشريحة إجمالًا، ثم يغير مستويات التكبير ويتنقل بين المناطق المختلفة قبل التركيز على الأجزاء التي تبدو غير طبيعية. تبرز أهمية هذه الطريقة في أن الشريحة النسيجية قد تحتوي على مليارات البكسلات، بينما قد تقتصر العلامات الدالة على السرطان في مساحة صغيرة جدًا. شبه تشي هوانغ، الأستاذ المساعد في علم الأمراض وطب المختبرات بجامعة بنسلفانيا وأحد المشاركين في الدراسة، هذه العملية بمروحية تبحث عن أشخاص مفقودين، موضحًا أن الطبيب لا يبدأ بفحص مساحة صغيرة من الأرض، بل يمسح المشهد بالكامل قبل الانتقال إلى الفحص الدقيق. جمع الباحثون بيانات من ثمانية أخصائيين، وسجلوا تحركاتهم داخل الشرائح ومستويات التكبير التي استخدموها أثناء البحث عن المناطق المشبوهة. بعد ذلك، استبعدوا الحركات العرضية، وركزوا على السلوكيات التي تعكس اهتمامًا فعليًا بمنطقة معينة، مثل التوقف لفترة أطول أو فحص منطقة بشكل متكرر. وقارن الباحثون هذه البيانات بتتبع حركة العين، للتأكد من أن النظام يتعلم المناطق التي كان الأطباء يركزون عليها بالفعل. كما طلبوا من نموذج الذكاء الاصطناعي تقديم تفسير موجز لسبب أهمية كل منطقة، مع إتاحة الفرصة للأطباء لقبول التفسير أو تعديله أو رفضه. استخدم الباحثون هذه البيانات لبناء نظام أطلقوا عليه اسم "Pathology-o3". يبدأ هذا النظام بمسح الشريحة بدقة منخفضة، ثم يحدد المناطق التي تستدعي فحصًا أدق، ويرسل صورًا عالية الدقة لهذه المناطق إلى نموذج ذكاء اصطناعي آخر لتحليلها. **نتائج واعدة ولكنها ليست كافية** اختبر الباحثون "Pathology-o3" على شرائح تحتوي على أنسجة من العقد الليمفاوية لدى مرضى مصابين بسرطان القولون والمستقيم، وقارنوا أداءه بنموذج "o3" من شركة "OpenAI". تمكن "Pathology-o3" من تحديد جميع الشرائح التي تحتوي على السرطان، محققًا دقة بلغت 100% في اكتشاف الحالات الإيجابية. لكن 15.5% من الشرائح التي صنفها على أنها إيجابية كانت في الواقع خالية من السرطان. أما نموذج "o3"، فقد حقق دقة بلغت 87.5% في تحديد الشرائح المصابة، لكن 53.3% من الشرائح التي صنفها على أنها إيجابية كانت في الواقع سلبية. وعند اختبار النظام على مجموعة بيانات مستقلة لم يسبق له التعامل معها، بلغت دقته في تحديد الشرائح المصابة بالسرطان 97.6%، بينما كانت 37.1% من الحالات التي صنفها على أنها إيجابية سلبية في الواقع. يرى الباحثون أن ارتفاع النتائج الإيجابية الكاذبة قد يكون مرتبطًا بتصميم النظام، الذي يميل إلى اختيار المناطق التي تستحق فحصًا إضافيًا لتقليل احتمال تفويت علامات السرطان. قال محمد أسدي، عالم البيانات في جامعة ستانفورد الذي لم يشارك في الدراسة، إن هذه النتائج تشير إلى إمكانية استخدام النظام مع شرائح من مصادر مختلفة، لكنها لا تثبت بعد أن الأطباء سيصبحون أكثر دقة أو سرعة عند استخدامه. **هل يمكن أن يساعد الأطباء؟** لم تهدف الدراسة إلى إثبات أن "Pathology-o3" يستطيع التفوق على أطباء علم الأمراض أو تشخيص السرطان بمفرده. بل هدفت إلى اختبار ما إذا كان تدريب الذكاء الاصطناعي على طريقة بحث الطبيب يمكن أن يحسن أداءه. يعتقد هوانغ أن القيمة الأساسية لهذا النهج تكمن في الاستفادة من بيانات كانت موجودة بالفعل داخل المستشفيات، لكنها لم تستخدم بصورة كافية في تدريب الذكاء الاصطناعي. يخطط الباحثون لإجراء تجارب لاحقة لمعرفة ما إذا كان استخدام النظام إلى جانب أطباء علم الأمراض يمكن أن يساعدهم على اكتشاف عدد أكبر من حالات السرطان والعمل بسرعة أكبر. يرى أسدي أن الاستخدام الأكثر منطقية للنظام حاليًا هو أن يعمل كأداة للفحص الأولي، توجه الطبيب إلى المناطق التي تستحق مزيدًا من التدقيق. لكنه يشدد على ضرورة إجراء تجارب تشمل مستشفيات متعددة، لقياس دقة النظام وسرعته، وكذلك حجم الإنذارات الكاذبة وعبء العمل الذي قد تضيفه على الأطباء. يظل النظام أيضًا محدودًا مقارنة بعملية التشخيص الكاملة، التي قد تتطلب تحليل عدة شرائح واستخدام تقنيات تلوين مختلفة، إلى جانب الاطلاع على التاريخ الطبي للمريض. ولهذا يؤكد هوانغ أن الهدف ليس أن يتولى الذكاء الاصطناعي التشخيص بمفرده، قائلًا: "لن أدعي أنه ينبغي له إجراء التشخيص بمفرده."