روسيا تصعد استهداف البنية التحتية الاقتصادية الأوكرانية متسببة بنقص سلع وانهيار قطاعات
صعّدت روسيا حملتها الجوية ضد أوكرانيا، مستهدفة بشكل مكثف البنية التحتية الاقتصادية الحيوية، ما أدى إلى تداعيات واسعة النطاق شملت نقصاً في السلع وتوقف قطاعات صناعية رئيسية عن العمل. هذه الضربات المكثفة أصبحت مشهداً يومياً مع تصاعد سحب الدخان وأصوات الدفاعات الجوية فوق كييف ومدن أخرى. خلال الأسابيع الماضية، كثفت موسكو هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة النفاثة على مراكز التسوق والمخازن ومراكز التوزيع. تسببت هذه الاستهدافات في تعطيل كبير لعمل شركات كبرى في قطاعات التجزئة، النشر، الأدوية، والخدمات اللوجستية. وترى كييف أن هذه الخطوات تهدف إلى إنهاك اقتصاد البلاد وكسر قدرتها على الصمود في الصراع المستمر. أدت الضربات الأخيرة إلى ظهور أول نقص في السلع بمتاجر العاصمة الأوكرانية، وهي حالة لم تشهدها المدينة منذ المراحل المبكرة للعملية العسكرية عام 2022. في بعض فروع سلسلة متاجر "نوفوس"، وُضعت لافتات على الأرفف الفارغة تشير إلى أن "روسيا دمرت هذا المنتج"، بحسب ما أوردته صحيفة "فاينانشال تايمز". في المقابل، تشن أوكرانيا هجمات بعيدة المدى باستخدام طائرات مسيّرة تستهدف المصافي والمخازن وسفن الشحن الروسية. يهدف المسؤولون الأوكرانيون من وراء هذه الهجمات إلى تقليص العائدات الروسية ودفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نحو طاولة المفاوضات. أسفرت الهجمات عن خسائر فادحة في البنية التحتية اللوجستية الأوكرانية. فقد دُمر ما يقارب 2.1 مليون متر مربع من إجمالي 5 ملايين متر مربع من المخازن الحديثة في البلاد، وفقاً لرجل الأعمال الأوكراني روسلان شوستاك. ويشير شوستاك إلى أن 900 ألف متر مربع من هذه المخازن قد دُمرت في الأشهر الأخيرة وحدها. يرى مسؤولون أوكرانيون أن استهداف مراكز التخزين والتوزيع يؤثر بشكل مباشر على سلاسل الإمداد الداخلية ويرفع تكاليف نقل السلع وتخزينها. تلقى قطاع صناعة الصلب الأوكراني ضربة قاسية. في مطلع سبتمبر (أيلول)، عطّلت هجمات بالصواريخ الباليستية آخر 3 مصانع رئيسية للصلب في المناطق الصناعية الشرقية والجنوبية الشرقية من البلاد، ما أسفر عن مقتل 17 عاملاً. يهدد هذا التطور أحد القطاعات التي كانت تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الأوكراني لعقود. كما تعرض مصنع الصلب في زابوريجيا لهجوم جديد الأسبوع الماضي، ليكون رابع استهداف له خلال أقل من شهر. صرح أوليكسندر فودوفيز، المسؤول في شركة "ميتينفست" للتعدين والصلب، أن أوكرانيا "لم تعد تمتلك عملياً صناعة للصلب". وأضاف أن المهاجمين "كانوا على دراية كاملة بالبنية الفنية للمصانع واستهتفوا الأفران العالية على وجه التحديد". وأوضح أن مصانع "ميتينفست" ومنشأة "أرسيلور ميتال" في كريفي ريه، التي كانت تمثل مجتمعة نحو 90% من إنتاج الصلب الوطني، توقفت بالكامل عن العمل. وحذر فودوفيز من صعوبة تحديد موعد لاستئناف الإنتاج نظراً لحجم الأضرار، وتوقع تداعيات واسعة على الوظائف والعائدات الضريبية. لم تقتصر الهجمات الروسية على المنشآت الصناعية. فقد استهدفت الطائرات المسيّرة الأسبوع الماضي البنية التحتية للسكك الحديدية في غرب أوكرانيا، بما في ذلك خط قطار قُصف بعد دقائق من عبور شخصيات أجنبية بارزة الحدود البولندية. وامتدت الضربات لتشمل محطات الوقود، في نمط متزايد التكرار حتى في المناطق البعيدة عن خطوط المواجهة. على الصعيد المالي، أشار رئيس الوزراء الأوكراني سيرهي كوريتسكي إلى أن الحكومة قد تخسر نحو 1.5 مليار دولار من الإيرادات الضريبية جراء الهجمات. وتواجه كييف حالياً فجوة تمويلية جديدة تُقدر بنحو 27 مليار دولار خلال العام الجاري. بالإضافة إلى ذلك، تفرض روسيا قيوداً مستمرة على حركة الملاحة في البحر الأسود، ما يكبد الاقتصاد الأوكراني خسائر تعادل نحو 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لتقديرات حكومية. يواجه القطاع الزراعي تحديات كبيرة في التصدير. أكد وزير الزراعة تاراس فيسوتسكي أن طرق التصدير البديلة تمكن أوكرانيا من تصدير 40% فقط من كميات منتجاتها الزراعية المعتادة. وقال أنطون جيميردييف، المدير التجاري لشركة "تاس أغرو" الزراعية، إن اختناقات التصدير أجبرت شركته على تخزين القمح في أكياس ضخمة موزعة في الحقول المفتوحة. وأضاف جيميردييف: "نشعر الآن وكأن البلاد مغلقة من جميع الجهات. الموانئ معطلة، ومسار نهر الدانوب شبه متوقف بسبب الضربات ونقص العمالة". ترى أولينا بيلان، كبيرة الاقتصاديين في بنك "دراغون كابيتال" الاستثماري في كييف، أن الاقتصاد الأوكراني لن يحقق نمواً هذا العام. وأشارت إلى أن الشركات المتضررة من استهداف المخازن ستضطر إلى تمرير جزء من التكاليف الإضافية إلى المستهلكين. ووصفت بيلان الصراع بأنه تحول إلى "حرب استنزاف اقتصادية"، حيث تسعى روسيا لإلحاق أكبر قدر من الضرر بالاقتصاد الأوكراني، بينما تحاول كييف بالمقابل التأثير على الاقتصاد الروسي من خلال هجماتها بعيدة المدى. يُذكر أن البنية التحتية الأوكرانية تعرضت لهجمات واسعة النطاق منذ فبراير (شباط) 2022، استهدفت محطات الطاقة وشبكات النقل والمنشآت الصناعية. وفي المقابل، كثفت أوكرانيا استخدام الطائرات المسيّرة لضرب أهداف روسية، لتوسيع نطاق المواجهة إلى الجبهة الاقتصادية إلى جانب العمليات العسكرية المباشرة.