مصير العراق ومسارات حصر السلاح
مع تحديد الحكومة العراقية إنهاء حصر السلاح بيد الدولة في الثلاثين من حزيران عام سبعة وعشرين ومارينفين، يتجه هذا الملف إلى أن يكون واحداً من أكثر الملفات السياسية والأمنية حساسية، خصوصاً أن الموعد جاء بعد تفاهمات ومفاوضات بين الحكومة وعدد من الفصائل المسلحة، وبعد أن كان الموعد السابق المحدد في الثلاثين من أيلول عام ستة وعشرين ومارينفين قد انتهى من دون إتمام العملية. ويأتي تحديد الموعد الجديد في مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة، مع انتهاء مهمة التحالف الدولي العسكرية في العراق في الثلاثين من أيلول عام ستة وعشرين ومارينفين، وهو أحد المطالب التي ربطت بها فصائل مسلحة في السابق موقفها من تسليم السلاح أو دمج تشكيلاتها ضمن مؤسسات الدولة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه في بغداد هو: ماذا سيحدث إذا وصل العراق إلى الثلاثين من حزيران عام سبعة وعشرين ومارينفين من دون أن تتمكن الحكومة من إكمال حصر السلاح؟ وحتى الآن، لا توجد معلومات معلنة عن قرار حكومي يقول إن عدم إنجاز حصر السلاح في الثلاثين من حزيران سيؤدي تلقائياً إلى إجراء أمني محدد في اليوم التالي. بل إن الموعد المعلن جاء ضمن مسار تفاوضي تدريجي، إذ تحدث رئيس الوزراء علي الزيدي عن مرحلة أولى تمتد تسعين يوماً تتوقف خلالها الفصائل عن شن الهجمات، مقابل عدم تعرضها لهجمات أميركية، على أن تنتهي عملية حصر السلاح بالكامل في نهاية حزيران عام سبعة وعشرين ومارينفين. كما أكد المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان أن تحديد الثلاثين من حزيران جاء نتيجة تفاهمات بين الحكومة والفصائل، وأن لجنة تشكلت لهذا الغرض توصلت إلى الجدول الزمني بالتنسيق مع الأطراف المعنية. وبالتالي، فإن انتهاء المهلة من دون إنجاز كامل لا يعني بالضرورة أن الحكومة ستنتقل فوراً إلى مواجهة عسكرية، وإنما قد يدخل الملف مرحلة جديدة تعتمد على طبيعة الموقف الذي ستتخذه الفصائل والحكومة والجهات السياسية المرتبطة بها. وأحد الاحتمالات المطروحة في حال عدم اكتمال العملية هو تمديد الفترة الزمنية، خصوصاً إذا كانت المفاوضات قد حققت تقدماً جزئياً. وهذا السيناريو ليس بعيداً عن طبيعة المسار الذي شهده الملف خلال عام ستة وعشرين ومارينفين، إذ انتقلت الحكومة من موعد الثلاثين من أيلول إلى موعد الثلاثين من حزيران عام سبعة وعشرين ومارينفين، بعد استمرار المفاوضات مع الفصائل. ويعني التمديد عملياً استمرار سياسة التفاوض، مع محاولة الوصول إلى صيغة تضمن انتقال السلاح والقرار العسكري تدريجياً إلى مؤسسات الدولة بدلاً من الدخول في مواجهة مباشرة. لكن تكرار التمديد قد يفتح في المقابل نقاشاً سياسياً حول مدى قدرة الدولة على فرض موعد نهائي ملزم، خصوصاً إذا تحولت المواعيد المتعاقبة إلى مراحل تفاوضية جديدة من دون نتيجة نهائية. والحكومة لا تتعامل مع الملف باعتباره مجرد جمع لبنادق أو صواريخ أو طائرات مسيرة، وإنما يرتبط أيضاً بمستقبل آلاف المقاتلين والهيكل التنظيمي للفصائل. وطرحت الحكومة إجراءات تتعلق بإعادة تنظيم أو دمج عناصر الفصائل ضمن مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، إلى جانب مقترحات لتوحيد الرواتب والتقاعد والرتب بين القوات المسلحة وهيئة الحشد الشعبي. كما أشير إلى إمكانية توفير ما يصل إلى خمسة وثلاثين ألف وظيفة في القوات المسلحة والشرطة لمن يسلمون أسلحتهم ضمن مسار الدمج. ومن هنا، فإن عدم اكتمال حصر السلاح قد لا يعني بالضرورة فشل فكرة دمج العناصر، وإنما قد يدفع إلى إعادة ترتيبها وفق اتفاقات جديدة، خصوصاً أن مسألة السلاح مرتبطة بشكل مباشر بمستقبل التنظيمات المسلحة نفسها. وإذا رفضت بعض الفصائل تسليم أسلحتها، فقد يستمر الوضع القائم جزئياً، بحيث تمتلك مؤسسات الدولة القوات المسلحة الرسمية، فيما تحتفظ بعض التنظيمات المسلحة بقدرات عسكرية خارج إطار القيادة والسيطرة الحكومية الكاملة. وهذا هو السيناريو الذي يحمل أكبر قدر من التعقيد السياسي، لأن المشكلة لا تتعلق بوجود السلاح فقط، بل بمن يملك قرار استخدامه ومتى يمكن استخدامه وتحت أي قيادة. وحذرت شخصيات سياسية من أن تحديد موعد صارم قد يعقّد المفاوضات مع قادة الفصائل، في حين يرى آخرون أن إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي وانسحاب القوات الأجنبية يمكن أن يساعد في إزالة إحدى الحجج التي استخدمتها بعض الفصائل لرفض تسليم السلاح. وأشارت التقارير التي تناولت المفاوضات خلال عام ستة وعشرين ومارينفين إلى أن عدداً من الفصائل المسلحة أبدت مواقف مختلفة تجاه مسألة التسليم والاندماج، في حين وضعت فصائل أخرى شروطاً مرتبطة بانتهاء الوجود العسكري الأميركي وبمستوى النفوذ الأميركي في العراق. وفي حال وصول الحكومة إلى نهاية حزيران عام سبعة وعشرين ومارينفين من دون اتفاق مع فصائل رئيسية، فإن الخيارات المتاحة أمامها ستكون مرتبطة بمدى التزام تلك الفصائل بالقانون وبقرارات الدولة، وبطبيعة التوافق السياسي داخل مؤسسات الحكم. وقد تبدأ الحكومة حينها من الإجراءات القانونية والسياسية قبل أي خيار أمني، خصوصاً أن استخدام القوة ضد تنظيمات مسلحة ذات حضور سياسي وعسكري سيكون قراراً بالغ الحساسية، وقد يؤدي إلى تداعيات أمنية وسياسية واسعة. وإن الانتقال من التفاوض إلى محاولة فرض نزع السلاح بالقوة يمكن أن يرفع مستوى التوتر، خصوصاً إذا اعتبرت بعض الفصائل أن الإجراءات الحكومية تستهدف وجودها السياسي أو العسكري. وتزداد حساسية الأمر بسبب امتلاك بعض الجماعات قدرات عسكرية متطورة، إذ أشارت وكالات أنباء إلى أن فصائل تمتلك ترسانة تشمل صواريخ بعيدة المدى وقدرات مضادة للطائرات، إضافة إلى الطائرات المسيرة. ولهذا فإن أي مواجهة محتملة لن تكون مجرد عملية أمنية محدودة لجمع الأسلحة، وإنما قد تتحول إلى أزمة أوسع إذا توسعت المواجهة لتشمل مؤسسات الدولة أو مناطق نفوذ الفصائل. وجوهر مشروع حصر السلاح هو تثبيت مبدأ أن الدولة هي الجهة الوحيدة التي تمتلك قرار استخدام القوة العسكرية. وفي حال عدم إتمام العملية، سيبقى السؤال قائماً بشأن الجهة التي تمتلك القرار في حالات التصعيد الداخلي أو الإقليمي. وهذا الأمر يرتبط أيضاً بالسياسة الخارجية للعراق، فوجود جماعات مسلحة قادرة على تنفيذ هجمات خارج القرار الحكومي يمكن أن يضع بغداد أمام أزمات دبلوماسية، خصوصاً إذا أدت تلك الهجمات إلى ردود عسكرية على الأراضي العراقية. وكانت فصائل مسلحة قد ربطت سابقاً التخلي عن السلاح بخروج القوات الأجنبية، فيما ترى الحكومة أن انتهاء المهمة العسكرية للتحالف يمثل تحولاً في البيئة التي تجري فيها مفاوضات حصر السلاح. وإذا انتهت المهلة من دون اتفاق ومن دون إجراءات لاحقة، فإن النقاش لن يكون أمنياً فقط. وسيطرح الأمر سؤالاً أكبر حول قدرة الحكومة على تنفيذ قراراتها عندما يتعلق الأمر بقوى مسلحة ذات وزن سياسي. وهنا قد يتحول موعد الثلاثين من حزيران عام سبعة وعشرين ومارينفين من مجرد تاريخ في جدول المفاوضات إلى اختبار سياسي لمبدأ احتكار الدولة للسلاح. وتشير دراسة بحثية حول الملف إلى أن قضية حصر السلاح تتجاوز الجانب الأمني إلى طبيعة الدولة نفسها وقدرتها على احتكار استخدام القوة وترسيخ سيادة القانون وتنظيم العلاقة بين المؤسسات الرسمية والفصائل المسلحة. والملف لن يبقى عراقياً بالكامل، حتى مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف. فالفصائل التي ترفض تسليم السلاح تربط موقفها بعلاقة العراق بالولايات المتحدة وبإيران والصراع الإقليمي. وتقارير عدة توضح أن بعض الفصائل رفضت الموعد السابق، وطالبت بضمانات تتعلق بعدم عودة القوات الأميركية وإنهاء النفوذ الأميركي في القرارين السياسي والاقتصادي العراقيين. وبالتالي، فإن نجاح أو تعثر حصر السلاح قد يتأثر أيضاً بالتطورات الإقليمية، وبالعلاقة العراقية الأميركية، وبمدى قدرة بغداد على إقناع الفصائل بأن مرحلة جديدة بدأت بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف. وعدم إتمام حصر السلاح بحلول حزيران عام سبعة وعشرين ومارينفين يمكن أن يقود إلى عدة نتائج متداخلة، وليس إلى نتيجة واحدة محددة مسبقاً. فقد يعني تمديد المفاوضات، أو توسيع برامج الدمج داخل مؤسسات الدولة، أو وضع شروط وضمانات جديدة، أو الانتقال إلى إجراءات قانونية ضد الجهات التي ترفض قرارات الدولة. وفي المقابل، إذا فشلت المفاوضات وقررت الحكومة فرض العملية بالقوة، فقد يرتفع مستوى التوتر الأمني والسياسي، بحسب طبيعة رد الفصائل ومدى التوافق السياسي على الإجراءات الحكومية. أما السيناريو الأكثر تعقيداً فيتمثل في استمرار وجود السلاح خارج السيطرة الحكومية مع بقاء الفصائل جزءاً من المشهد السياسي، الأمر الذي يجعل قضية احتكار الدولة للقوة مفتوحة على جولات جديدة من التفاوض. والموعد الجديد يأتي بعد تجربة الموعد السابق في أيلول عام ستة وعشرين ومارينفين. وبحسب الحكومة العراقية، فإن تحديده لم يكن قراراً منفرداً، وإنما جاء ضمن تفاهمات مع الفصائل وتحت إشراف لجنة معنية بالملف. ولهذا فإن أهمية الموعد لا تكمن فقط في كونه تاريخاً نهائياً معلناً، وإنما في أنه يمثل نهاية فترة إضافية من التفاوض. فإذا نجحت الحكومة في الوصول إلى اتفاق شامل، فقد يبدأ العراق مرحلة إعادة ترتيب العلاقة بين الفصائل المسلحة الدولة. أما إذا انتهت المهلة من دون نتيجة، فإن السؤال لن يكون فقط هل سُلّم السلاح، بل سيصبح: ما الأداة التي ستستخدمها الدولة بعد انتهاء التفاهمات؟ وهنا ستتحدد طبيعة المرحلة التالية وفق موقف الفصائل، ومدى استعداد الحكومة لتطبيق القانون، وحجم التوافق السياسي حولها، والظروف الأمنية والإقليمية في ذلك الوقت. والثلاثون من حزيران عام سبعة وعشرين ومارينفين ليس بالضرورة تاريخاً تلقائياً لاندلاع مواجهة أو صدور عقوبات، لكنه يمثل نقطة اختبار حاسمة للمسار الذي اختارته الحكومة العراقية لحصر السلاح. فإذا اكتملت العملية، سيكون العراق أمام انتقال مهم في تنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة. أما إذا لم تكتمل، فالخيارات ستتراوح بين تمديد التفاوض وإعادة صياغة الاتفاقات، وتسريع الدمج داخل مؤسسات الدولة، واللجوء إلى الإجراءات القانونية، وصولاً إلى خيارات أمنية أكثر حساسية في حال انسداد جميع المسارات. وبذلك، فإن مستقبل الملف لن تحدده المهلة وحدها، وإنما ما الذي ستفعله الحكومة العراقية في اليوم التالي لانتهائها، وما إذا كانت الفصائل ستتعامل معها باعتبارها موعداً ملزماً أم محطة تفاوضية قابلة للتمديد.