الجفاف وموجات الحر يهددان محصول البطاطس الأوروبي
انتقلت سوق البطاطس الأوروبية في عام واحد من وفرة قياسية أدت إلى انهيار الأسعار، إلى مخاوف من نقص المعروض وارتفاعها، بعد أن تسببت موجات الحر والجفاف في تضرر المحاصيل وتقليص حجم الحبات. تشير تقديرات إلى أن هذه الظروف الجوية خفضت محصول البطاطس في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا بنحو 3.1 مليون طن مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية. وقدر تحليل صادر عن "وحدة استخبارات الطاقة والمناخ"، وهي مؤسسة بحثية بريطانية غير ربحية، قيمة الإنتاج المفقود في الدول الأربع بين 405 و622 مليون يورو، وذلك استناداً إلى مستويات الأسعار الحالية. تتوقع المؤسسة أن يتراجع إنتاج هذه الدول، التي تعد مركز زراعة البطاطس في شمال غربي أوروبا، إلى ما بين 19.5 و20.5 مليون طن خلال عام 2026، بعد أن سجل مستوى قياسياً بلغ 27.3 مليون طن في عام 2025. هذه الفجوة لا تعود كلياً إلى الظروف الجوية، حيث قام المزارعون بتخفيض المساحات المخصصة لزراعة البطاطس خلال الموسم الحالي، كرد فعل على الوفرة الكبيرة في محصول 2025 التي أدت إلى انهيار الأسعار. تقدر الكمية التي لم تُزرع نتيجة هذا القرار بنحو 3.6 مليون طن إضافية، وجاءت موجات الحر والجفاف لتزيد الضغط على المساحات المزروعة، ما أثر على إنتاجيتها وجودة محصولها. في هذا السياق، صرح كريغ إليوت، محلل الأسواق في شركة معلومات أسعار السلع "إكسبانا"، لصحيفة "فايننشال تايمز": "انتقلنا من مستوى قياسي مرتفع إلى مستوى قياسي منخفض خلال عام واحد، إذا تحققت التقديرات." وتشير بيانات "وحدة استخبارات الطاقة والمناخ" إلى انخفاض الغلة عن متوسط 5 سنوات بنسبة 21 بالمئة في بلجيكا، و13 بالمئة في فرنسا، و10 بالمئة في ألمانيا، و7 بالمئة في هولندا. تتجلى المشكلة بوضوح في فرنسا، حيث تتوقع رابطة منتجي البطاطس انخفاض المحصول الرئيسي بنسبة 23 بالمئة خلال 2026، أي ما يعادل مليوني طن مقارنة بالعام الماضي. يتوقع، بحسب وكالة "رويترز"، أن ينخفض متوسط إنتاج الهكتار إلى 37.4 طن، مسجلاً تراجعاً بنسبة 14 بالمئة عن 2025، ويعد هذا ثاني أدنى مستوى خلال ثلاثة عقود بعد موسم الجفاف القاسي عام 2022. أكد مزارعون أن ارتفاع الحرارة ونقص الأمطار أوقفا نمو البطاطس في العديد من الحقول، خصوصاً تلك التي لا تعتمد على أنظمة الري. لا تقتصر المشكلة على عدد الأطنان، بل تمتد لتشمل حجم الحبات وجودتها. ففي بعض الحقول، يقل قطر غالبية البطاطس عن 40 مليمتراً، بينما تتطلب مصانع الرقائق والبطاطس المقلية عادة حبات يتجاوز قطرها 50 مليمتراً. دفعت هذه الأوضاع رابطة المنتجين الفرنسية إلى مطالبة المصانع بتخفيف بعض شروط العقود وقبول أحجام ومواصفات مختلفة، لتجنب رفض جزء كبير من المحصول المتاح. ظهر التحول بالفعل في الأسواق، حيث ارتفعت أسعار بعض أنواع البطاطس الجديدة المخصصة للتصنيع إلى نحو 250 يورو للطن في مناطق أوروبية، بعد أن كانت حوالي 30 يورو فقط قبل عام. ومع ذلك، لا يعني ارتفاع الأسعار استفادة جميع المزارعين، إذ يرتبط بعضهم بعقود أُبرمت قبل موجات الجفاف، ما قد يضعهم أمام إنتاج أقل وتكاليف أعلى دون الحصول على كامل الزيادة المسجلة في السوق. تظل تقديرات 2026 أولية وقابلة للتغيير مع اكتمال الحصاد. ويتمحور الحديث حول احتمال نقص في المعروض، وليس اختفاء البطاطس من الأسواق. لكن المؤشرات الحالية تكشف مفارقة زراعية حادة: ففي عام 2025، كان المزارع يخشى عدم وجود مشترين للبطاطس بسبب وفرتها، بينما في عام 2026، قد يبحث السوق عنها بعد أن تقلصت المساحات ومنعت الحرارة الحبات من النمو بالقدر الكافي.