رئيس الوزراء العراقي يدعو للاستثمار بالبلاد أمام الأمم المتحدة
أكد رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، الجمعة، أن العراق يسعى لممارسة دوره وتأثيره كقوة اقتصادية فاعلة في المنطقة وجسر للحوار والتعاون بين شعوبها، داعياً في الوقت ذاته إلى الاستثمار في البلاد. وفي كلمة ألقاها الزيدي خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 81، أعرب عن فخره بالوقوف أمام هذا المحفل الدولي ممثلاً جمهورية العراق، بلد الحضارات الأولى ومهد الكتابة والقانون، وأحد الدول المؤسسة للأمم المتحدة. وجدد التزام بلاده بميثاق المنظمة ومبادئها، معرباً عن رؤية العراق لمستقبله ومنطقته والعالم في هذه المرحلة الدقيقة. وأشار إلى أن العراق تعامل ربما أكثر من غيره مع الحروب وأضرارها، وعاش ظروفها وما فُرض عليه من حصار وإرهاب، ودفع شعبه ثمناً باهظاً من أرواح أبنائه وموارده وفرص تنميته. وقال: "رغم تلك المصاعب التي جعلت من بلدنا على مدى عقود ساحة للحروب والصراعات، فها نحن اليوم نتحدث بكل ثقة عن رؤيتنا للمستقبل." مجدداً، أكد أن العراق يتطلع إلى ممارسة تأثيره كقوة اقتصادية فاعلة في المنطقة، وجسر للحوار والتعاون بين شعوبها. وأوضح الزيدي أن الرؤية الحالية للعراق تنطلق من الإرادة الوطنية لاستعادة هيبة القانون وتقوية مؤسسات الدولة وترسيخ ثقة المواطنين بها، مشدداً على أن هذه هي الأولويات الحاكمة. وأكد المضي قدماً في أن تكون الدولة صاحبة القرار في السلم والحرب، وأن يبقى السلاح وأدوات القوة بيد مؤسساتها الدستورية، ليكون القانون هو الفيصل والمصلحة الوطنية هي البوصلة. ولفت إلى أن الإجراءات التنفيذية في هذا المجال تسير في الاتجاه الصحيح، كونها تمثل الأساس لبناء دولة المؤسسات وحماية السيادة وتثبيت الاستقرار، إضافة إلى تهيئة البيئة اللازمة للتنمية والاستثمار. وأفاد بأنه مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، تنتقل العلاقة مع الشركاء الاستراتيجيين إلى مرحلة جديدة من التعاون العسكري إلى التعاون الاقتصادي والتنموي، بما يخدم المصالح المشتركة. وأضاف أن ذلك يضيف إلى انتصار العراقيين على الإرهاب عزماً وزخماً مضاعفاً لاستكمال بناء القدرات الأمنية والعسكرية في حماية الأرض والشعب والسيادة. وسعياً لاستدامة التكامل مع الأصدقاء الدوليين، دعا الجميع إلى ضبط الحدود ومعالجة الثغرات واليقظة المستمرة لمنع تشكل البيئة المغذية للتطرف. وفي سياق الإصلاح المؤسسي، أكد أن الحكومة تخوض معركة مكافحة الفساد وحماية المال العام، وتسير في مسار المعالجات الجوهرية المستدامة لرفع كفاءة الأداء وتحسين الخدمات. وتهدف هذه الجهود إلى بناء دولة قوية واقتصاد متنوع وعصري يتماشى مع التحولات التكنولوجية والرقمية العالمية. وأشار إلى العمل على توظيف كل الخبرات الناجحة والتجارب المبتكرة في عالم الاقتصاد والمال والأعمال لنهضة الإصلاح الاقتصادي والمالي للبلاد، وتوفير بيئة آمنة للاستثمار الوطني والأجنبي. وشدد على أن هذه الرؤية تستند إلى المقومات الكبرى التي يمتلكها العراق من الموارد والفرص الاستثمارية في الطاقة والصناعة والزراعة والنقل والتكنولوجيا، فضلاً عن موقعه الجغرافي الاستثنائي الذي يربط الاقتصاد العراقي بالعالم. وأضاف أن هذه الرؤية تهدف إلى الانتقال بالعراق إلى مرحلة يكون فيها شريكاً إنتاجياً فاعلاً في المنطقة، عبر التدرج في تقليل آثار الاقتصاد الريعي وتعزيز سياسات السوق المفتوح وتنمية الإمكانات الإنتاجية والتصديرية، والاستثمار في البنى التحتية والخدمات. ومن هذه المنطلقات، تم وضع خارطة طريق مناسبة لدعم القطاع الخاص وتوفير التسهيلات والضمانات القانونية والضريبية والجمركية اللازمة لنمو الأعمال والتجارة الخارجية، وبناء الشراكات الفاعلة مع السوق العالمية لتسريع عجلة التنمية المستدامة. وفي ميدان الطاقة العالمية، أكد الزيدي أن تأثير العراق يبرز بشكل مباشر، حيث تتبنى الحكومة برنامجاً طموحاً لزيادة إنتاج النفط الخام بما يتناسب مع حجم الاحتياطيات المؤكدة، وتطوير حقول الغاز والتوسع في قدرات التصفية وإنتاج المشتقات والصناعات البتروكيماوية. وتابع أن الطموح يتمثل في أن يكون العراق مركزاً عالمياً لإنتاج الطاقة والاستفادة من إمكاناته لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي بشكل مستدام. إلا أنه أبدى قلقاً تجاه التداعيات المرتبطة بحرية النقل والملاحة البحرية وما سببته من أزمة في ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً. ولتطويق هذه المخاطر والتداعيات على الشعوب، تعمل الحكومة على تنويع منافذ تصدير النفط وتطوير خطوط الطاقة وممراتها الرابطة بين العراق وتركيا والأردن وسوريا وصولاً إلى الأسواق العالمية، بهدف الإسهام في أمن الطاقة وتنويع مسارات الإمداد. وأشار إلى أن التنوع الاقتصادي القائم على شراكات حقيقية يمثل هدفاً استراتيجياً مركزياً في السياسة الاقتصادية للحكومة، التي وضعت تعزيز التنمية الاقتصادية والصناعية في جميع المجالات على رأس أولوياتها. وفي هذا الإطار، يأتي مشروع "طريق التنمية" بوصفه رؤية العراق الشاملة للتكامل والاندماج والاستقرار الإقليمي، ليكون بوابة مهمة وممراً استراتيجياً للتجارة والاستثمار والصناعة والطاقة، ويربط الشرق بالغرب ابتداءً من ميناء الفاو الكبير وصولاً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. وأعرب عن رغبة العراق في أن يكون هذا المشروع متاحاً للشراكة مع جميع الجيران والأصدقاء، إيماناً بأن المصالح الاقتصادية تصنع الازدهار. وأكد أنه عندما ترتبط دول المنطقة بالموانئ والسكك وخطوط الطاقة والتجارة والاستثمارات، تصبح لديها مصلحة أكبر في حماية الاستقرار. ووجه من منبر الأمم المتحدة دعوة للعالم قائلاً: "استثمروا مع العراق فهو يملك الموارد والسوق والموقع والإرادة لبناء اقتصاد جديد." وأضاف أن الحكومة تعمل بشكل حثيث على بلورة شراكات تحقق المصالح المتبادلة وتخلق فرص العمل وتنقل التكنولوجيا والمعرفة وتطور قدرات العراق الإنتاجية. وأشار إلى أن أمن الدول واستدامة السلام مسؤولية مشتركة، استناداً لميثاق الأمم المتحدة. وأكد أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالحروب بل بالمصالح المشتركة التي تجعل التعاون أكثر جدوى من الصراع. وترتكز رؤية العراق على المساهمة في نقل المنطقة من الصراع إلى التكامل، ومن التنافس إلى التعاون، ومن استنزاف الموارد إلى استثمارها في التنمية. بهذه المناسبة، أكد مد يد العراق للجميع على أساس احترام السيادة وعدم التدخل وحسن الجوار وتوثيق المصالح المتبادلة، واعتماد الحوار سبيلاً لمعالجة الاختلافات. وشدد على أن العراق يجدد موقفه الداعم للحوار والدبلوماسية استناداً إلى هذه المنطلقات، وذلك لنزع فتيل الأزمات وإسناد الجهود لمرور التجارة عبر الأراضي العراقية بتسهيلات كبيرة، بهدف توفير بدائل للممرات التجارية المعقدة. وبين الزيدي أن العراق يرى أن المسؤولية تجاه الشعوب وأمنها واستقرارها تقتضي العمل على إنهاء الصراعات عبر التفاوض من أجل مستقبل آمن ومنع اندلاع الحروب مجدداً. وأشار إلى وجود نسخة من مسلة الملك البابلي حمورابي في مقر الأمم المتحدة، والتي جاء فيها أن "القوانين وُضعت لمنع القوي من ظلم الضعيف". وعلق على ذلك قائلاً: "في عالم اليوم نجد الضعفاء يظلمون لأن قانون الأقوياء هو من يحكم، وليس قوة القانون." ولهذا، أكد الزيدي أن القضية الفلسطينية تبقى حاضرة ضمن أي حديث عن الاستقرار في المنطقة، مشدداً على أنه لن يكون هناك متسع للأمان في الشرق الأوسط دون حل عادل لهذه القضية، وإثبات حق الشعب الفلسطيني في أرضه وتقرير المصير وإقامة دولته ذات السيادة. وشدد على الأهمية القصوى لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين. وأوضح أن الأمن الذي يسعى إليه العراق لا يقتصر على وقف النزاعات، بل يتعداه إلى مواجهة التغيرات المناخية وآثار التصحر وشح المياه، وهي تحديات تواجه العراق وتمس أمنه الغذائي. لذلك، أكد تمسك بلاده بالحقوق المائية المشروعة والعادلة، ودعا إلى إدارة مشتركة لموارد المياه وفق مبادئ التعاون والقانون الدولي. وعن المخاطر، صرح الزيدي بأن العراق مستمر في مواجهة الجريمة المنظمة عبر التعاون مع جميع الأصدقاء لصد أخطارها، وإجهاض تجارة المخدرات العابرة للحدود. ودعا إلى المزيد من تبادل المعلومات والتنسيق الدولي لدرء هذا الخطر الذي يهدد المجتمعات. ووسط هذه التحديات، أكد أن الإنسان العراقي يبقى غاية الحكومة ومنتهى جهودها. واعتماداً على النسبة العالية للشباب في المجتمع، تسعى الحكومة إلى جعلهم محوراً حقيقياً لاقتصاد المستقبل عبر التعليم، وتنويع فرص العمل ودعم ريادة الأعمال، وإسناد مجالات الاقتصاد الرقمي، مع الالتزام الدستوري بحماية حقوق الإنسان والحريات وتعزيز مشاركة المرأة ورعاية الطفولة والحفاظ على التنوع القومي والديني والثقافي في البلاد. وخاطب الزيدي الحاضرين في الجمعية، قائلاً: "إننا ندعوكم بثقة إلى مزيد من الانفتاح على العراق، فهو الشريك الحقيقي القادر على الإسهام في بسط الأمن وتعزيز الاستقرار وتسريع التنمية في جميع المجالات." وأضاف: "من هذا المنبر نقول: إن العراق لم يكن أبداً على الهامش، بل هو قلب التاريخ ونبض الحاضر، وهو جدير بالشراكة نحو المستقبل." واختتم كلمته بالتأكيد على موقف العراق الداعم لدور الأمم المتحدة، مثمناً جهودها التي جسدت العمل المشترك الداعم للعراق من خلال بعثة اليونامي. وأكد سعي بلاده للتعاون المنتج مع المنظمة، متمنياً لها التوفيق في جهودها الرامية إلى تخفيف آثار الحروب وتداعيات الصراع في العالم.