دراسة حديثة تشكك في فاعلية تقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتحسين الصحة النفسية
تقنية

دراسة حديثة تشكك في فاعلية تقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لتحسين الصحة النفسية

s
sumernow
22 Aug 2026 0 دقيقة قراءة

كشفت دراسات حديثة أن توجيه الشباب لتقليص أوقات استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي إلى 30 دقيقة يوميًا لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين صحتهم النفسية. وقد أشارت هذه الدراسات إلى أن غالبية المشاركين لم يتمكنوا من الالتزام بالحد الزمني المفروض، بينما لم يظهر أولئك الذين نجحوا في خفض استخدامهم تحسنًا ملحوظًا مقارنة بمن استمروا في استخدام هذه المنصات كالمعتاد. هذه النتائج، التي وردت في بحث من المقرر نشره قريبًا في مجلة "العلوم النفسية السريرية"، تثير تساؤلات مهمة حول مدى جدوى فرض حد زمني عام على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كنهج لتحسين الصحة النفسية، خصوصًا مع التحديات التي يواجهها الشباب في الالتزام بهذه الحدود ضمن حياتهم اليومية. وصرحت الباحثة الرئيسية في الدراسة، أندريا هوارد، وهي عالمة نفس تنموي في جامعة كارلتون، بأن مطالبة الشباب الذين يفتقرون إلى دافع قوي لتغيير عاداتهم بتقليل استخدام المنصات الاجتماعية لا يضمن بالضرورة قدرتهم على ذلك، ولا يكفل كذلك تحسنًا في صحتهم النفسية على المدى الطويل. يأتي هذا البحث في إطار محاولة لإعادة تقييم نتائج دراسة سابقة ومهمة أجريت عام 2018 على طلاب في جامعة بنسلفانيا. حينها، قسم الباحثون المشاركين إلى مجموعتين: الأولى واصلت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقتها المعتادة، بينما طُلب من الثانية تقليص استخدام منصات مثل فيسبوك وسناب شات وإنستغرام إلى 10 دقائق يوميًا لكل منصة. وقد بينت الدراسة القديمة انخفاضًا في مستويات الشعور بالوحدة وأعراض الاكتئاب لدى المشاركين الذين بدأت لديهم الدراسة بمستويات اكتئاب مرتفعة، لكنها لم ترصد فروقًا واضحة في معظم المؤشرات الأخرى للصحة النفسية. سعت هوارد وزميلاتها إلى استكشاف ما إذا كانت هذه النتائج ستتكرر بعد مرور سنوات، خاصة وأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من النسيج اليومي لحياة الشباب. شملت الدراسات الثلاث الأولى 644 مستخدمًا لأجهزة آيفون تقل أعمارهم عن 30 عامًا، ضمت طلابًا وغير طلاب. وقام المشاركون بتقديم بيانات حول الوقت الذي يقضونه على أجهزتهم، بالإضافة إلى تقييمات أسبوعية لمستويات الاكتئاب والقلق والشعور بالوحدة والرضا عن الحياة وغيرها من المقاييس النفسية. قُسم المشاركون إلى مجموعتين؛ استمرت الأولى في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل طبيعي، في حين طُلب من الثانية تقليص الاستخدام لمدة ثلاثة أسابيع، وفي معظم الحالات حُدد بـ 30 دقيقة يوميًا. لم يكتف الباحثون بتحديد الوقت، بل اختبروا أيضًا طرقًا بديلة لتقليل التأثير المحتمل لوسائل التواصل الاجتماعي. من هذه الطرق مطالبة المشاركين بالتفاعل عبر الإنترنت فقط مع أشخاص يعرفونهم في الحياة الواقعية، وتقليل استخدام التطبيقات التي يعتقدون أنها تؤثر سلبًا على صحتهم النفسية. كما بحثوا في مدى اختلاف النتائج بين المستخدمين الذين يعتمدون هويات مجهولة على الإنترنت وأولئك الذين يظهرون بهويات واضحة. لكن أيًا من هذه الأساليب لم يسفر عن تحسن ملموس في الصحة النفسية مقارنة بالمجموعة التي استمرت في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بطريقتها المعتادة. وكان الالتزام بالحد الزمني من أبرز التحديات التي واجهت الباحثين. فقد كان المشاركون يقضون في المتوسط حوالي ثلاث ساعات يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي عند بدء الدراسة. ومن بين 346 مشاركًا في مجموعات تقليل الاستخدام، الذين قدموا بيانات متابعة، لم يتمكن سوى 10% منهم من خفض استخدامهم إلى أقل من 30 دقيقة يوميًا خلال أسبوع واحد من الدراسة، بينما نجح أقل من 5% في الالتزام بهذا الحد لمدة أسبوعين على الأقل. وفي دراسة رابعة شملت 229 مشاركًا، حاول الباحثون تعزيز فعالية التدخل. فبدلاً من تحديد 30 دقيقة، رفعوا حد الاستخدام إلى ساعة واحدة يوميًا، مع إرسال تذكيرات يومية للمشاركين. وقد أدى ذلك إلى انخفاض نسبي في وقت استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه لم يكن كافيًا لإحداث فرق واضح مقارنة بالمجموعة الضابطة. لم ينجح أكثر من نصف المشاركين في الالتزام بحد الساعة في أي يوم من أيام الدراسة الـ 21، بينما التزم به شخصان فقط طوال فترة التدخل. ولم تسجل هذه الدراسة أيضًا فروقًا بين المجموعتين في أي من مؤشرات الصحة النفسية التي قيّسها الباحثون. ومع ذلك، فإن هذه النتائج لا تعني أن تقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لن يكون مفيدًا لأي شخص. فقله عدد المشاركين الذين التزموا بالحدود الزمنية يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان خفض الاستخدام بشكل كبير ومنتظم قد يؤدي إلى نتائج مختلفة. كما أن الدراسة اقتصرت على مستخدمي أجهزة آيفون فقط، وكانت غالبية المشاركين من النساء ذوات البشرة البيضاء، مما قد يحد من إمكانية تعميم النتائج على جميع فئات الشباب. ترى هوارد أن صعوبة الالتزام بالحدود الزمنية تحمل دلالة هامة في حد ذاتها. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أداة لغرض واحد، بل تحولت إلى وسيلة للترفيه والتعبير عن الذات ومتابعة الأخبار والتواصل مع الأصدقاء. لهذا السبب، قد لا توجد وصفة واحدة مناسبة للجميع. فالشخص الذي يشعر بالضيق نتيجة تجاربه على وسائل التواصل الاجتماعي أو لديه رغبة حقيقية في تغيير عاداته، قد يستفيد أكثر من خطة شخصية، أو من تقليل الاستخدام تدريجيًا، أو من الحصول على دعم مستمر. في المقابل، تشير هوارد إلى أن الأفراد الذين يرغبون في تقليل الوقت الذي يقضونه على هواتفهم يمكنهم تجربة ذلك كجزء من سعي لتحسين الذات وإدارة الوقت، حتى لو لم يكن هناك ضمان بأن يؤدي ذلك وحده إلى تحسين صحتهم النفسية. أما بالنسبة للآباء، فإن هذه النتائج لا تعني أن وضع حدود لاستخدام الأجهزة أمر غير مجدٍ، خاصة وأن الدراسة ركزت على الشباب ولم تشمل الأطفال أو المراهقين الأصغر سنًا. لكن الباحثة تنصح الآباء بالتركيز على المشكلة الأساسية التي يحاولون معالجتها بدلاً من الانشغال فقط بعدد الدقائق التي يقضيها أبناؤهم أمام الشاشات. فالشاب الذي يعاني من الاكتئاب أو القلق، أو يتعرض للتنمر والأذى عبر الإنترنت، قد يحتاج إلى دعم أوسع يتجاوز مجرد تقليص وقت استخدام الهاتف. وتختتم هوارد بالقول إن مجرد مطالبة الأبناء بوضع هواتفهم جانبًا لا يكفي وحده، مؤكدة أن تغيير عادات استخدام الأجهزة يتطلب دعمًا وتوجيهًا مستمرين، يساعدان الشباب على إيجاد طريقة لاستخدام التكنولوجيا بما يتناسب مع احتياجاتهم وحياتهم اليومية.

s

sumernow