تصاعد القلق من تقنيات الذكاء الاصطناعي ومحددات إدارته نفسياً وعملياً
تقنية

تصاعد القلق من تقنيات الذكاء الاصطناعي ومحددات إدارته نفسياً وعملياً

s
sumernow
• 09 Oct 2026 • 1 دقيقة قراءة

يشهد العالم تصاعداً ملحوظاً في مستويات التوجس والاضطراب النفسي المرتبط بالانتشار السريع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي وتغلغلها في مفاصل الحياة اليومية والمهنية، حيث كشفت تقارير وأبحاث حديثة أن المخاوف لم تعد مجرد هواجس خيالية ترتبط بالمستقبل، بل تحولت إلى واقع ملموس يمس استقرار الوظائف والقدرة على فرز الحقائق من التزييف الرقمي. وأظهر مسح إحصائي أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2026 شمل أكثر من 3400 شخص بالغ داخل الولايات المتحدة، أن نسبة 52% من المستطلعين يشعرون بالقلق بدلاً من الحماس تجاه اتساع رقعة استخدام الذكاء الاصطناعي، مسجلة ارتفاعاً مقارنة بنسبة 37% المسجلة عام 2021. وجاء ذلك بالتزامن مع نتائج استطلاع آخر للمركز في عام 2025 أظهرت مفارقة واضحة؛ إذ عبّر نحو 75% من الأمريكيين عن استعدادهم للاعتماد على الذكاء الاصطناعي لإنجاز المهام اليومية، في حين اعتبر أكثر من نصفهم أن التهديدات والمخاطر الناجمة عنه على المجتمع تعد مرتفعة للغاية. وفي هذا السياق، أكدت شا سجادِيه، مسؤولة مشروع "مؤشر الذكاء الاصطناعي" في معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان، أن دوافع القلق الراهنة تستند إلى معطيات واقعية يختبرها الأفراد يومياً ولا ترتبط بتصورات بعيدة المدى. ويأتي التهديد الوظيفي في صدارة تلك الدوافع، حيث أوضحت الدكتورة فايل رايت، المديرة الأولى للابتكار في الرعاية الصحية لدى الجمعية الأمريكية لعلم النفس، أن فقدان مصدر العمل ينعكس مباشرة على الهوية الشخصية والإحساس بالقيمة والهدف الإنساني، لا سيما بعد استثمار أعوام طويلة في بناء المسار المهني. كما تؤدي قدرة الأنظمة الذكية على محاكاة المهام المعقدة كالتفكير الإبداعي وحل المشكلات إلى توليد شعور بالتراجع الذاتي لدى الكوادر البشرية. وتتفاقم حدة الاضطراب مع صعوبة التحقق من صحة المحتوى؛ إذ بيّن استطلاع لمركز بيو في عام 2025 أن 53% من المواطنين في الولايات المتحدة يفتقرون للثقة في قدرتهم على تمييز المنتجات البشرية الأصلية من تلك التي تولدها البرمجيات الذكية. وحذرت أخصائية علم النفس السريري ثيا غالاغر من أن الفشل في التمييز بين الواقع والزيف يثير ارتباكاً حاداً ويرفع المخاوف من الوقوع في فخاخ النصب والاحتيال عبر تقنيات التزييف العميق، لا سيما مع تسلل الخوارزميات لميادين الدعاية والتوظيف والقطاع الطبي دون إدراك مجتمعي كامل لآليات عملها. ولمواجهة هذه الضغوط وتطويق آثارها السلبية، حدد خبراء الصحة النفسية حزمة تدابير إرشادية مباشرة ترتكز على خطوات عملية: أولاً، ضرورة فهم التقنية بدلاً من محاولة الهروب منها؛ حيث تشير رايت إلى أن التعرف على النظم الذكية وتجربتها بشكل مباشر يحولها من مصدر تهديد مجهول إلى مجرد أدوات عمل قابلة للإدارة والتحكم. ويتطلب ذلك من الموظفين فتح نقاشات في مؤسساتهم لمعرفة خطط الاستخدام المستقبلية وتثبيت دور الكفاءة البشرية المضافة، بينما يتعين على أولياء الأمور التواصل مع المؤسسات التعليمية لفهم سياسات ضبط الأداء الأكاديمي وصقل الفكر النقدي لدى الطلاب. ثانياً، استعادة الحضور الحسي في العالم الواقعي الملموس؛ إذ تدعو الطبيبة النفسية تريسي فوس إلى تذكر حقيقة الوجود البشري المادي الذي يختلف جذرياً عن الطبيعة البرمجية الصرفة. وتسهم ممارسة النشاط البدني، وتناول الغذاء المتوازن، والتنزه في المساحات المفتوحة، في كسر حلقة التوتر الذهني والارتباط باللحظة الآنية. وتؤكد غالاغر أن تفعيل الحواس الخمس عبر الرؤية واللمس والتذوق—حتى من خلال السير العادي في شوارع المدينة—يكفي لترسيخ الاتصال مع البيئة الحية. ثالثاً، تعميق الروابط الاجتماعية المباشرة؛ فمع تزايد الحضور الرقمي، تنصح رايت بتجاوز التردد ومشاركة المشاعر النفسية ضمن دوائر الثقة الاجتماعية لتخفيف أعباء التغيير المستمر، مؤكدة أن عقد جلسات منتظمة مع العائلة والأصدقاء وممارسة أنشطة اجتماعية مشتركة يعزز الشعور بأن حدود الحياة أوسع بكثير من فضاء المنصات والخوارزميات. رابعاً، تكثيف التركيز على الإنجازات والقدرات الذاتية؛ حيث توضح غالاغر وفوس أن الانخراط في مهام حركية ملموسة، كترتيب الأماكن المحيطة أو حل مشكلات يومية عالقة، يمنح الفرد شعوراً حقيقياً باستعادة السيطرة والفاعلية، مما يؤكد أن التعايش السليم مع التطور التقني لا يعني الانعزال عنه، بل إدارته بوعي عبر التمسك بالقيم الإنسانية والمهارات الأصيلة المرتبطة بالواقع الفعلي.

s

sumernow