الحكومة العراقية تؤكد امتلاكها أدوات لضمان استمرارية صرف الرواتب
أكد مستشار رئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن الحكومة تمنح أولوية قصوى للإنفاق السيادي، وفي مقدمته رواتب الموظفين والمتقاعدين ومخصصات الرعاية الاجتماعية. وأشار صالح إلى أن الخطة الحكومية ستركز على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لضمان استمرارية دفع الرواتب، مؤكداً أن الدولة تمتلك الأدوات الكفيلة بضمان صرفها حتى مع استمرار الضغوط المالية المؤقتة. وأضاف صالح أن الحكومة تعتمد مبدأ إعطاء الأولوية المطلقة للإنفاق السيادي، والذي يشمل رواتب الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية، ولذلك يُتوقع أن تركز خطتها على إعادة ترتيب أولويات الصرف، وتأجيل بعض النفقات غير الضرورية، وإدارة السيولة المتاحة بما يضمن استمرار دفع الرواتب حتى في ظل الضغوط المالية المؤقتة. وأوضح أن المشكلة الحالية تتمثل أساسًا في توقيت تدفق الإيرادات أكثر من كونها نقصًا دائمًا في الموارد، الأمر الذي يجعل إدارة السيولة عاملًا حاسمًا في تجاوز المرحلة الحالية. وبيّن أن البنك المركزي يؤدي دورًا داعمًا في الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي، من خلال إدارة السيولة في القطاع المصرفي وتوفير البيئة الملائمة لتمويل احتياجات الحكومة عبر الأدوات القانونية المتاحة، دون الإخلال باستقلاليته أو بأهداف السياسة النقدية. وأشار إلى أن ذلك قد يشمل تسهيل الاكتتاب في حوالات وسندات الخزينة من قبل المصارف، وتعزيز كفاءة إدارة السيولة في الجهاز المصرفي، بما يضمن استمرار تمويل الإنفاق الحكومي الضروري، مع الالتزام بأحكام قانون البنك المركزي وعدم اللجوء إلى التمويل النقدي المباشر إلا ضمن الأطر القانونية الاستثنائية إن وجدت. وأوضح صالح أن الحكومة ستعتمد بالتوازي على مزيج من الأدوات المالية لتغطية احتياجاتها التمويلية، يشمل تعظيم الإيرادات غير النفطية، والاستفادة من السيولة المتاحة في الخزينة، والاقتراض الداخلي عبر سندات وحوالات الخزينة، فضلاً عن إمكانية اللجوء إلى الاقتراض الخارجي الميسر إذا استدعت الظروف ذلك. ونوه بأن استئناف التدفقات الطبيعية للإيرادات النفطية يبقى العامل الأكثر أهمية في استعادة التوازن المالي وتعزيز الاستقرار المالي. وأشار إلى أنه لا يُتوقع أن تؤدي هذه الإجراءات، إذا أُديرت ضمن الأطر المتعارف عليها، إلى تأثير مباشر في الاحتياطي الأجنبي للبنك المركزي، لأن هذا الاحتياطي مخصص أساسًا لدعم استقرار سعر الصرف والوفاء بالالتزامات الخارجية وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني، ولا يُستخدم عادةً لتمويل النفقات الجارية للحكومة. وأضاف أنه إذا استدعت الظروف اتخاذ إجراءات استثنائية، فإنها تُنفذ بما يحافظ على الحدود الآمنة للاحتياطيات وبما لا يهدد الاستقرار النقدي. وتابع مستشار رئيس الوزراء أن مدة التحدي الحالي تعتمد على سرعة استعادة تدفقات الإيرادات النفطية، ومستوى أسعار النفط، وتطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، فضلاً عن كفاءة إدارة المالية العامة. ونوه بأنه في حال بقيت الأزمة في إطار نقص مؤقت في السيولة، فمن المرجح أن تكون إجراءات المعالجة مؤقتة أيضًا. وأكد صالح أن هذه الإجراءات لا تُعد في الغالب إقراضًا مباشرًا من البنك المركزي للحكومة، وإنما تتمثل في تمويل غير مباشر من خلال أدوات الدين الحكومية التي تكتتب بها المصارف، أو عبر آليات السوق المالية. وأوضح أن سداد هذه الالتزامات يجري عند استحقاقها من الإيرادات العامة، ولا سيما الإيرادات النفطية بعد عودة تدفقها بصورة طبيعية، أو من موارد الموازنة العامة، بما يضمن عدم تحول التمويل المؤقت إلى عبء مالي دائم. وبيّن أنه لا توجد حتى الآن أرقام رسمية معلنة تحدد حجم الاقتراض الذي قد تلجأ إليه الحكومة، إذ سيتحدد حجم التمويل المطلوب وفقًا لمدة استمرار أزمة السيولة ومستوى الإيرادات المتحققة خلال الفترة المقبلة. وتابع مستشار رئيس الوزراء أنه من المنظور الاقتصادي، يُفضل أن يقتصر الاقتراض على تغطية الفجوة المؤقتة في السيولة، مع المحافظة على مستويات آمنة للدين العام، وعدم التوسع في الاقتراض إلا بالقدر الذي تفرضه الضرورات المالية. وواصل صالح شرحه بالقول إنه إذا أدى أي تصعيد مستمر في مضيق هرمز إلى تعطيل أو انخفاض صادرات النفط العراقية بصورة مستدامة، فمن الطبيعي أن ينعكس ذلك سلبًا على تدفق الإيرادات إلى الخزينة، مما يزيد الضغوط على السيولة العامة. ومع ذلك، فإن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة توقف صرف الرواتب، إذ تمتلك الدولة أدوات للتعامل مع الأزمات المؤقتة، من بينها إدارة الاحتياطيات المالية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، والاقتراض قصير الأجل، وتفعيل أدوات الدين الداخلي. إلا أن التحديات ستزداد كلما طالت مدة الاضطرابات، وهو ما يجعل تنويع منافذ تصدير النفط عبر الحدود الإقليمية، واعتماد سياسة تنويع مسارات التصدير بواسطة أنابيب النفط، أولويةً استراتيجية لتعزيز الأمن الاقتصادي وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على منفذ تصدير واحد. وأشار إلى أن المعالجات لا تقتصر على إدارة أزمة السيولة والتمويل المؤقت، بل تمتد إلى تبني تصورات إصلاحية تستهدف إطفاء الدين العام الداخلي ضمن مسار تنموي متكامل. وتقوم هذه الرؤية على توظيف أدوات الدين والسياسات المالية والنقدية بصورة تدعم الاستثمار المنتج، وتزيد إنتاجية القطاع الحقيقي، ولا سيما قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات والبنية التحتية، بما يسهم في خلق فرص عمل جديدة، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتعظيم الإيرادات غير النفطية. وبهذا النهج، يصبح إطفاء الدين العام نتيجةً للنمو الاقتصادي وارتفاع الناتج المحلي والإيرادات العامة، وليس مجرد عملية سداد مالية، بما يحقق في مسار تخطيطي واحد أهداف الاستدامة المالية، وزيادة الإنتاج، وتعظيم مستويات التشغيل، وتعزيز متانة الاقتصاد الوطني وتقليل اعتماده على الإيرادات النفطية. ولفت إلى أنه على وفق الأبعاد الاستراتيجية للبرنامج الحكومي، وإعادة توصيف آليات البناء الإنتاجي للاقتصاد الوطني، فإن الدين العام الداخلي لا يُنظر إليه بوصفه عبئًا ماليًا فحسب، بل بوصفه أداةً من أدوات التنمية الاقتصادية متى ما جرى توظيفه في تمويل الأنشطة والمشروعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة. مما يسهم في رفع معدلات النمو الاقتصادي، وتعظيم مستويات التشغيل، وتوسيع الطاقة الإنتاجية، وزيادة الإيرادات العامة، بما يوفر الموارد اللازمة لإطفاء الدين العام تدريجيًا ضمن مسار تنموي مستدام. وبهذا يتحول الدين الداخلي من أداة لتمويل العجز إلى رافعة للاستثمار والإنتاج، في إطار سياسة اقتصادية متكاملة تستهدف تعزيز التنويع الاقتصادي، وتحقيق الاستدامة المالية، ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني. واختتم صالح تصريحاته بالقول إن هذه الرؤية تنسجم مع أدبيات السياسة الاقتصادية التنموية، التي تبنتها العديد من التجارب الدولية الناجحة في الانتقال من إدارة العجز المالي إلى بناء اقتصاد منتج ومستدام، عبر توظيف أدوات التمويل العام في تحفيز النمو الحقيقي، بدلاً من الاقتصار على تمويل النفقات الجارية.