الأجهزة المحيطة: تحديات جديدة للخصوصية في عصر الأمن السيبراني
تقنية

الأجهزة المحيطة: تحديات جديدة للخصوصية في عصر الأمن السيبراني

s
sumernow
19 Sep 2026 0 دقيقة قراءة

لم يعد الهاتف هو الجهاز الوحيد الذي يشغل بال المستخدمين عند الحديث عن الخصوصية، فمع التوسع في انتشار الساعات الذكية والسماعات والنظارات وأجهزة المنزل والسيارات المتصلة، بات الإنسان يعيش ضمن بيئة رقمية غنية بالمستشعرات. هذه الأجهزة قادرة على معالجة الصوت والبيانات بشكل مستمر أو عند تنشيط وظائف محددة، مما يثير تساؤلات أمنية أعمق بكثير من مجرد التساؤل حول تنصت الهاتف الشخصي. وفي هذا السياق، أوضح الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات، أن التطور الجوهري في هذا الملف يتمثل بالانتقال من مفهوم "الجهاز الشخصي" إلى "البيئة الرقمية المحيطة". فبينما كان المستخدم قادرًا سابقًا على تحديد أجهزته، أصبح اليوم محاطًا بعشرات الأجهزة الذكية التي تجمع بيانات متنوعة، حتى وإن لم يكن هو مالكها أو مستخدمها المباشر. وأضاف أن وجود ميكروفون في جهاز لا يعني بالضرورة تسجيله لجميع المحادثات المحيطة. فعمليات التقاط الصوت وتسجيله وتخزينه وإرساله وتحليله تمثل مراحل تقنية متمايزة، لكل منها شروط وصلاحيات وآليات تشغيل خاصة. لذا، ينبغي ألا يتحول الحديث عن "التجسس" إلى تعميم أو إثارة للخوف، بل يجب أن يستند إلى فهم آليات عمل الجهاز، والصلاحيات الممنوحة للتطبيقات، وإعدادات الخصوصية المتبعة، ومستوى أمان النظام ككل. وشدد الدكتور رمضان على أن الإشكالية الأمنية تبرز عند الانتقال من التساؤل حول ما إذا كان الجهاز يسجل الصوت إلى السؤال الأكثر جوهرية: ما قيمة البيانات الصوتية في حال وصولها إلى طرف غير مصرح له؟ ففي ظل عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد الصوت مجرد موجات هوائية تتلاشى بانتهاء المحادثة. بات بالإمكان تحويل التسجيلات الصوتية إلى نصوص، وفصل المتحدثين، وتحليل مضمون الحوارات، وربط هذه المعلومات بسياقات رقمية أخرى. ويتمثل الخطر الأكبر في أن تقنيات استنساخ الصوت باتت قادرة على توليد أصوات اصطناعية تحاكي بدقة أصوات أشخاص حقيقيين، الأمر الذي يفتح المجال لاستخدام الصوت في عمليات انتحال الشخصية والاحتيال وهجمات الهندسة الاجتماعية. وأردف أن هذه النقطة بالغة الخطورة، فالمجرم السيبراني لم يعد يستهدف فقط كلمات المرور، بل يسعى للحصول على معلومات تمكنه من بناء شخصية رقمية مقنعة. مثال ذلك تسجيل صوتي قصير يتضمن اسم شخص، طبيعة عمله، أسماء أفراد أسرته، وتفاصيل أخرى ذكرها بعفوية. كل معلومة بمفردها قد تبدو بسيطة، ولكن عند جمعها وتحليلها بواسطة خوارزميات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، يمكن أن تشكل صورة شاملة عن الفرد وسلوكه وعلاقاته. وأشار خبير الذكاء الاصطناعي إلى أن هذا هو لب الخطر، فجمع وتحليل البيانات الصغيرة يمكن أن ينتج عنه معلومات ذات قيمة كبيرة. وبناءً عليه، تمثل الأجهزة القابلة للارتداء تحديًا جديدًا لمفهوم الخصوصية. فالسماعة الذكية أو الساعة أو النظارة ليست بالضرورة أجهزة تجسس، ولكنها تتضمن مستشعرات وقدرات اتصال ومعالجة، مما يستوجب خضوعها لمبادئ الأمن السيبراني، بما في ذلك التحديثات المستمرة، والصلاحيات المحددة، والتطبيقات الموثوقة، وإعدادات الخصوصية الواضحة، وتوفير حماية مناسبة للحسابات المرتبطة بها. من جانبه، أيد مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق لأمن المعلومات، اللواء محمود الرشيدي، هذه الرؤية. وأكد أن هذا الأمر ينطبق كذلك على السيارات الحديثة، التي تحولت إلى أنظمة رقمية متكاملة مزودة باتصال بالإنترنت، ومستشعرات، وأنظمة ترفيه، ومساعدات صوتية. وأوضح أن مفهوم "سطح الهجوم" في الأمن السيبراني لم يعد مقصورًا على أجهزة الحاسوب والخوادم، بل اتسع ليشمل كل جهاز متصل قادر على جمع البيانات أو معالجتها أو تبادلها. واستطرد اللواء الرشيدي قائلًا إن المعادلة قد تغيرت، فكل جهاز ذكي جديد يضيف وظيفة إلى حياتنا، ولكنه يمثل في الوقت ذاته نقطة تتطلب إدارة وحماية. وأشار إلى أن الاعتقاد السائد بأن حماية الخصوصية تقتصر على إغلاق الكاميرا هو خطأ شائع، فالحقيقة أن نطاق البيانات التي يمكن أن تكشف الكثير عن الفرد أوسع بكثير من مجرد الصورة المرئية. فالصوت، والموقع الجغرافي، ونمط الاستخدام، والأجهزة المتصلة، وسجل التفاعل، كلها مكونات يمكن أن تتضافر لتشكيل ما يُعرف بـ"البصمة الرقمية" للمستخدم. وأكد اللواء الرشيدي أن حماية الخصوصية الصوتية تبدأ أساسًا من الوعي. ونصح المستخدمين بمراجعة صلاحيات التطبيقات التي تطلب الوصول إلى الميكروفون، وعدم منحها إلا عند الضرورة القصوى. كما دعا إلى مراجعة دورية للأجهزة المرتبطة بالحسابات الشخصية، وإزالة الأجهزة غير المستخدمة، وتحديث أنظمة التشغيل والبرامج الثابتة باستمرار، وتجنب تحميل التطبيقات أو الأدوات من مصادر غير موثوقة. وأردف أن بيئات العمل تتطلب معالجة أكثر صرامة لهذه القضية. فالاجتماعات التي تتناول معلومات مالية أو استراتيجية أو بيانات شخصية حساسة يجب أن تأخذ في الحسبان وجود الأجهزة الذكية القادرة على التسجيل أو الاتصال، مع ضرورة وضع سياسات واضحة تحدد ما هو مسموح باستخدامه داخل هذه الاجتماعات والمناطق الحساسة. ووجه رسالة خاصة لأولياء الأمور والشباب مفادها: "لا تتعاملوا مع الصوت باعتباره شيئًا عابرًا، فالتسجيل الذي يبدو اليوم مجرد مقطع قصير قد يتحول غدًا إلى جزء من مادة قابلة للتحليل أو إعادة الاستخدام أو التلاعب بها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي." واختتم اللواء الرشيدي بالتأكيد على ضرورة التخلي عن الاعتقاد بأن التكنولوجيا إما "آمنة تمامًا" أو "تتجسس دائمًا". فالواقع أكثر تعقيدًا، والأمن الرقمي يقوم على مبدأ إدارة المخاطر، لا على إصدار أحكام مطلقة. وأوضح أن السؤال الصحيح ليس "هل التكنولوجيا تسمعنا؟"، بل هو "ما البيانات التي يمكن أن تجمعها التكنولوجيا؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وكيف يتم تخزينها؟ وما الذي يمكن أن يحدث إذا وقعت في الأيدي الخطأ؟". وأشار إلى أن الوعي السيبراني بات ضرورة يومية لا رفاهية تقنية، فمع اتساع منظومة الأجهزة المتصلة المحيطة بنا، يصبح من الأهمية بمكان تعلم كيفية إدارة صلاحياتها، وفهم وظائفها، وتقليل البيانات غير الضرورية للمشاركة. فالحماية الرقمية لا تتحقق بجهاز واحد أو تطبيق واحد، بل بسلوك واعٍ ومنظومة أمنية متكاملة.

s

sumernow